
بمناسبة اليوم العالمي للبريد فى التاسع من أكتوبر كل عام.
تهاني و تحايا لمن صنعوا التاريخ رسل السلام (الحمام الزاجل) بتبادل المشاعر الإنسانية الوجدانية بين المجتمعات فى الأمم حول العالم.
من منظور آخر حفلت و حظيت بعض المرافق بقدر كبير من جذب الإنتباه ولفت الأنظار لما يتمتع العاملون بها من حس وطنى عال ووجوه مطلة بالإبداع فى شتى المجالات و الساحات غير دورهم المهنى هكذا كان مرفق البريد و البرق و الهاتف سابقاً شامة و علامة بين مرافق الدولة المختلفة.
أسسه الأتراك سنة ١٨٥٨م بافتتاح أول مكتب بريد بمدينة سواكن، و أعاد الإنجليز تأسيسه ليخدم أغراضهم الحربية الاستعمارية عند الغزو الإنجليزى المصرى للسودان سنة ١٨٩٨م كبريد حربى إذ كانت تمد خطوط السكة الحديد و معها فى نفس الوقت ترفع أعمدة التلغراف ابتداء من وادي حلفا إلى داخل أعماق القطر السودانى و بعد أن دانت لهم السيطرة و الأوضاع فى البلاد و استتبت لهم الأمور عملوا على انتشاره كخدمات للمواطنين، لكن خاب فالهم و انقلب السحر على الساحر. إذ أن مشاعر التحرر الوطنى كانت آكبر و أخطر عند ذلك الكادر المتميز من العاملين بالمرفق من دورهم الوظيفى الخدمى لأجل دراهم معدودة، فمثلوا أعظم الأدوار و انفلتوا من ربقة المادة و قبضة المستعمر و قادوا الجهاد و النضال ضده، فكان منهم أصحاب الفكر و الفن و الثقافة فمنهم من امتشق الحسام منازلا و منهم من أشعل الحماس فى قلوب الجماهير وقود الثورات بالخطب الحماسية و منهم من الهب بشعره المؤثر للمشاعر الوطنية. و كان الدعاة و الأدباء و الكتاب الذين دبجوا المقالات عن حب و هوى الأوطان و الاستقلال و الحرية، فوظف العاملون أجهزة التلغراف و اللاسلكى حينها لنقل ما يحدث من الأخبار بالعاصمة الخرطوم للمدن البعيدة مثل عطبرة و بورتسودان و دنقلا و وادي حلفا و مدنى و سنار و الأبيض و الفاشر و نيالا و كسلا و القضارف و الروصيرص و غيرهم من المدن للتناد حتى تغلغل فى وجدان شعب السودان ما سكبه هؤلاء من إبداع كل فى مجاله فكان الوطن حضورا روحاً و جسدا واحدا يتداعى بالاحتجاجات و المظاهرات فى الطرقات التى أقلقت المستعمر البغيض و ازعجته وقضت مضاجعه فلم يذق معها طعما للراحة و النوم، حتى خرج إلى غير رجعة غير ماسوفا عليه مشيعا بالاهازيج و الأناشيد مثل (يا غريب بلدك يلا لى بلدك يلا لى بلدك لمم عددك و سوق معاك ولدك يلا)
معظم أبكار الحركة الوطنية قبل مؤتمر الخريجين ١٩٣٨م كانوا من البوستة و التلغراف، فقائمة الشرف البريدية من جمعية اللواء الأبيض سنة ١٩٢٤م كان فيها الأبطال عبيد حاج الأمين و صالح عبد القادر و بابكر القباني و عرفات محمد عبد الله الذى كان مستيقظا فى فجره (مؤسس مجلة الفجر) و حادى ركب الوطنية خليل فرح بأشعاره القوية القومية التى كانت تفعل فعلها التحريضى المثير فى قلوب المواطنين مثل عازة فى هواك، و نحن و نحن الشرف الباذخ دابى الكر شباب النيل، وغيرهما من قصائده الرمزية، و على حامد البدوى صاحب النشيد الخالد من أداء الفنان أحمد المصطفى،
لي غرام و أمانى فى سموك و مجدك عشت يا سودانى، و تضم القائمة الشرفية البريدية، عز الدين راسخ و هاشم البارون و صالح باخريبة و ابراهيم محمد حمد و حسن مرسى و عباس قدح الدم. و حسن صالح المطبعجى، و القائمة تطول و تطول هذا على سبيل المثال لا الحصر. لم يترك موظفو البوستة و التلغراف مكان خال فى أرض الوطن بورا يبابا إلا زرعوا فيه بذور الوطنية الحقة و جينات الجهاد رغما عن ما لاقوه و عانوه من قبل المستعمر، و كل ذلك يهون فى سبيل عازة،
(و من يخطب الحسناء لا يغلها المهر) (و من يخطب الحسناء يصبر على البذل) لم يتركوا مجالا إلا كان لهم فيه بصمات إبداعية باقية خالدة فمن الدعاة نجد الشيخ أحمد حسون الذى ختم حياته داعية لدين الله الحق بأمريكا و الشيخ محمد هاشم الهدية و الشيخ مصطفى ناجى و الشيخ إبراهيم محمد سالم (الموردة حي الضباط) مرجع فى علم التجويد و غيرهم كثر من الأئمة و الدعاة الأعلام و فى الأدب و الكتابة و الصحافة و الإعلام و الشعر و الشعراء و الرياضة و المسرح وجوه لا تنسا و لا تمحا من ذاكرة المجتمع السودانى لقد خلدوا أعظم الذكرى.
نشير إلى قليل من كثيرهم شخصيات ذات وقع و شأن كبير بتأثيرها كأمثلة دون ترتيب و تحديد لأدوارهم. محجوب محمد صالح مؤسس صحيفة الايام و عبد الرحمن مختار مؤسس صحيفة الصحافة و الاستاذ جعفر حامد البشير له عدة مؤلفات منها (مملكة الجعليين الكبرى) و حسن امين صاحب كتاب (سارق اللحظات) و الزبير على (الكراسي الأمامية) و الشاعر ابراهيم ود الفراش ساعى البريد بين بربر و سواكن فى العهد التركى و يحمل أول طابع بربد سودانى (الجمل) تخيلا لصورته وله ديوان شعر (ديوان ود الفراش) معظمه فى مدح محبوبته (الدون لحق).
الدون ياها دونى
متعة بصرى وراحة عيونى
منكر و نكير ساعة يجونى
يلقو معاى الدون و لا بسألونى و الشاعر الضخم المطبوع الموهوب
مصطفى سند و الأديب الشاعر مبارك المغربى و ابراهيم الرشيد و مصطفى عبد الرحيم (هوج الرياح) و محمد يوسف موسى (عايز اكون انا غصن أخضر) و نعمان على الله و شاعر العيون عبد الله النجيب و الفنان صلاح مصطفى و الفنان التاج مكى (كان مصدقنا او مكذبنا اسأل العنبة الرامية فوق بيتنا) و الكاتب محمد هارون كافي و عبد الوهاب حسن الخليفة و على يسن و ابشر الماحى و احمد البلال الطيب مؤسس صحيفة أخبار اليوم و الإعلامى الرقم الشفيع عبد العزيز حسن و الموسيقار حافظ عبد الرحمن و الموسيقار الماحى سليمان و ديم الصغير و عوض كوكا و الحكام الدوليون فى الكرة عوض الجمل و بابكر عبد الله خبير التحكيم الدولى و عوض ابشر . و المسرحى على ابنعوف (مسرحية الأكلوا قروشنا معروفين) و الممثل حسن لوفا (ود حامد الغرباوي).
ألتحق بعض رجالات البريد بسلاح الإشارة و تدرجوا فى الرتب حتى رتبة اللواء مثل احمد الشريف الحبيب و مبارك عثمان رحمة و عبد الحميد خير السيد و منهم من اتجهوا للبوليس حتى وصلوا كمديري عامين له مثل قسم الخالق ابراهيم و على صديق.
كانوا اول شهداء الخدمة المدنية فى أحداث الجنوب سنة ١٩٥٥م مثل وكيل بريد و برق توريت نور الدايم محمود حاج نصر (البرصة – مروى) ووكيل بريد و برق مريدي محمد طيفور (المتمة) الذى حدثني عنه والدي الجريف الذى حضر الاحداث هناك إذ كان يعمل تاجرا بمريدي هو واخوانه ان الوكيل محمد طيفور رفض الخروج معهم من المدينة بحجة انه يحرس مرفق عام و كان يخاطب مكتب جوبا عبر اللاسلكي بإشارات الإنقاذ المتعارف عليها دوليا انقذونا انقذونا (S O S) و إنه إذا انقطع هذا الإرسال عنكم اعتبروني فى عداد الشهداء و قد كان انقطع الإرسال و صار فى الشهداء كما توقع.
فى كتاب رواد الفكر السودانى للأستاذ محجوب عمر باشرى تجدون إشارات لرموز عديدة من رجالات البريد و البرق و الهاتف.
بعد جلاء المستعمر و عند (السودنة) ملأوا كل الخانات الشاغرة فى مختلف المرافق التى احتاجت لتأهيلهم و امتدت اياديهم فيما بعد للبريد السعودي و غيره من الدول.
فى الختام و عودا على بدء احيى ذكرى الفقيد المحتفى بتخليده و تمجيده الاستاذ عمر العوض (ابن مدينة الدامر)، بجائزة تقدم بأسمه فقد كان علما و رقما يحمل ذات السمات و الجينات الإبداعية البريدية للوجوه المطلة بالإبداع و هو موسوعة ثقافية شاملة و كاتب قدير لا يشق له غبار له كتب (عنبر جودة) (سليمان الزغرات) وقفت فى كتابه هجرة شاهين النوبى كثيرا الذى يعكس فيه و يصور بقلمه الرشيق الرايع و تصويره الفنى الدرامي ماساة و معاناة سكان وادى حلفا أرض التاريخ و الحضارة النوبية الممتدة الضاربة بجذورها فى عمق القدم قبل الميلاد إلى حلفا الجديدة.
وهو صاحب النشيد الكورالى..
فى بربر الصحوة
و فى الدامر الخلوة
سودانى الجوة وجدانى بريدو
ما تقدم ذكره نذر يسير عن قيثارة الإبداع و البيان و معقل الوطنية و مجمع وجدان أهل السودان و الجامعة المفتوحة البوستة و التلغراف تعتبر دولة داخل الدولة و التى عملت بجد و اجتهاد للاستقلال الذى يجب الحفاظ عليه و العض عليه بالنواجذ وهو حال مستمر و ليس ظرف زمان عابر…



